ابن حزم
451
الاحكام
ولا رتبة من الرتب ، وأنه تعالى خلق النفوس بعد أن لم تكن ، وخلق العقول على ما هي عليه بعد أن لم تكن ، ورتب فيها الرتب على ما هي عليه بعد أن لم يكن شئ منها ، وأنه لو شاء أن يخلق العقول على غير ما هي عليه ، وأن يرتب الأمور فيها على خلاف ما رتبها لفعله ، ولما تعذر ذلك عليه ولكان حينئذ هو الحق والعدل والحكمة ، وما عداه الظلم والجور والعبث ، لا معقب لحكمه . ومن ادعى غير هذا ، فقد ادعى أن رتبة العقل المجهول في النفس كانت موجودة ، إذ لا عقل ولا نفس ، وهذا عين التناقض والخبال والخلف والمحال ، ومن أنار الله تعالى عقله وسيره لان يستضئ به ، وتصور له حدوث العالم بعد أن لم يكن ، أشرف على صحة ما ذكرناه وأيقنه وشاهده وعلمه ضرورة ، ولم يكن له عنه محيد أصلا ، ومن أصحب الله تعالى نفسه والحيرة ، وتمييزه الضعف ، تحير وتصور الأمور بخلاف ما هي عليه ، ولم يخرج إلى طرف وظن الظنون المردية ، ولله تعالى الحمد على ما علم وهدى ، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم . قال أبو محمد : ومن بديع ما قطع أصحابنا على أنه لا يجوز نسخه ، شكر المنعم ، وأن كفر المنعم لا سبيل إلى إباحته في العقل أصلا . قال أبو محمد : فنسأل قائل هذا القول الفاسد فنقول له : ما تقول في رجل استنقذ طفلا قد أشرف الأسد على افتراسه فرباه ولا أب له ولا أم ولا مال فأحسن تربيته ، ثم علمه العلوم وأكرمه وبره ولم يذله ، ولا استخدمه ، وموله وزوجه وخوله ، ثم إن ذلك المحسن إليه زنى وهو محصن ، وسرق وقذف ، ثم تاب من كل ذلك وتعبد ، ثم قامت عليه بذلك بينة عدل ، وقدم إلى يتيمه - وهو بعد حاكم من حكام المسلمين ، فما ترى أن يفعل فيه أيشكر فيعفو عنه ولا سيما وقد تاب ؟ أو يأمر بأن يوجع متناه بالسياط ، ثم يقطع يده ، ثم يأمر بشدخ هامته بالحجارة حتى يموت ؟ فإن قال : أرى أن يعفو عنه ، كفر إن اعتقد ذلك أو فسق إن أشار بذلك غير معتقد له ، وإن قال : أرى أن يوقع به أنواع العذاب الذي ذكرنا فقد ترك مذهبه الفاسد في ألا يكفر إحسان المنعم . فإن قال : إن هذا الفعل هو شكره على الحقيقة . قال خلاف ما ادعى أن العقل يوجبه ، وسمى غاية الإساءة إحسانا ، فإن رجع إلى أن يقول : إنما يحسن في العقول شكر المنعم